القائمة الرئيسية

الصفحات

سلسلة سباحة في عقل ابن خلدوون- الجزء الخامس : اللسان: بين كتابة الخط وتنظيم الشعر


...تتمة

 و أشار إلى أن تم هنالك شروطا لكتابة الشعر :" أولها: الحفظ من جنس شعر العرب حتى تنشأ في ملكة ينسج على منوالها ويُتحير  المحفوظ من الحر النقيِّ الكثير الأساليب.

وهذا المحفوظ المختار أقل ما يكفي في شعر شاعر من الفحول الإسلاميين، مثل ابن أبي ربيعة وكثير ودي الرقة و جرير وأبي نواس وحبيب البحتيري والراضي وأبي فراس أكثره شعر كتاب "الأغاني"؛ لأنه جمع شعر أهل الطبقة الإسلامية كلها، والمختار من شعر الجاهلية ومن كان خاليا من المحفوظ. فمن قل حفظه أو عُدِمَ لم يكن له شعر، وإنما هو نظم ساقط. واجتناب الشعر أولى لمن لم يكن له محفوظ.

ثم بعد الامتلاء من الحفظ وشحذ القريحة للنسج على المنوال يقبل على النظم بالإكثار منه تستحكم ملكته وترسخ وربما يقال إن من شرطه نسيان ذلك المحفوظ لتحمى رسومه الحرفية الظاهرة إذ هي صادرة عن استعمالها بقينها فإذا نسيها وقد تكيفت النفس بها، انتقش الأسلوب فيها كأنه منوال يأخذ بالنسيج عليه بأمثال

ها من كلمات أخرى ضرورة ثم لابد له من الخلوة واستجارة المكان المنظور فيه من المياه والأزهار، وكذا من المسموع لاستنارة القريحة باستجماعها وتنشيطها بملاذ السرور ثم مع هذه كله فشرطه أن يكون على جمام ونشاط فذلك أجمع له وأنشط للقريحة أن تأتي بمثل ذلك المنوال الذي في حفظه".


وفي الأوقات المناسبة لقرط الشعر، يقول ابن خلدون:" خير الأوقات لذلك البكر عند الهبوب من النوم وفراغ المعدة ونشاط الفكر، ومن هؤلاء الحجام".

وعن بواعث قرط الشعر، يقول:" إن من بواعثه العشق والإنتشاء ذكر ذلك ابن رشد في كتاب "العمدة" وهو الكتاب الذي انفرد بهذه الصناعة وإعطاء حقها ولم يكتب أحد قبله ولا بعده مثله".

كما أن الإلهام والرغبة هو المحفز لقول الشعر، دون إكراه النفس فيقول ابن خلدون:" فإن استصعب عليه بعد هذا كله فليتركه إلى وقت آخر،  ولا يكره نفسه عليه".

وقد قدم ابن خلدون نصائح لكل من أراد ان ينظم الشعر وهي كالأتي:" ليكن بناء البيت على القافية من أول صيوغه  ونسجه بعضها،  ويبني الكلام عليها إلى آخره؛ لأنه إن غفل عن بناء البيت على القافية صعب عليه وضعها في محلها فربما تجئ نافرة قلقة، وإذا سمح الخاطر بالبيت ولم يناسب الذي عنده فليتركه إلى موضعه الأليق به، فإن كل بيت مستقل بنفسه، ولم تبعه إلا المناسبة فليختبر فوها ما يشاء، وليراجع شعره بعد الخلاص منه بالتنقيح والنقد ولا يفن به على الترك إذا لم يبلغ الإجادة، فإن الإنسان مفتون بشعره، إذ هو من بنات فكره واختراع قريحته، ولا يستعمل في من الكلام إلا الأفصح من التراكيب والخالص من الضرورات اللسانية فليهجرها؛ فإنها تنزل بالكلام عن طبقة البلاغة وقد هظر أئمة اللسان على المولَّد ارتكاب الضرورة، إذ هو في سعة منها بالعدول عنها إلى الطريقة المثلى من الملكة. ويجتنب ـ أيضاـ المعقَّمدن التراكيب جهده وإنما يقصد منها ما كانت معانيه تُسابق ألفاظه إلى الفهم وكذلك كثرة المعاني في البيت الواحد فإن فيه نوع تعقيد على الفهم.


وإنما المختار منه ما كانت ألفاظه طبقا على معانيه أو أوفى منها. فإن كانت المعاني كثيرة كان حشدا، واسرعمل الذهن بالعوص عليها، فمنع الذوق عن استيفاء مدركه من البلاغة.

ولا يكون الشعر سهلا إلا إذا كانت معانييه تسابق ألفاظه إلى الذهن. ولهذا كان شيوخناـ رحمهم الله ـ يعيبون شعر أبي بكر بن خفاجة شاعر شرق الأندلس، لكثرة معانيه وازدحامها في البيت الواحد، كما كانوا يعيبون شعر المتنبي والمعري بعدم النسج  على الأساليب العربية كما مرّ، فكان شعرهما كلاما منطوما نازلا عن طبقة الشعر والحاكم بذلك هو الذّوق.

وليتجنب الشاعر ـ أيضا ـ الحوشيّ  من الألفاظ

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات