القائمة الرئيسية

الصفحات

سلسلة سباحة في عقل ابن خلدون- الجزء الثاني: العلم : مسالكه ، آدابه وفضائله

 

العلم : مسالكه ، آدابه وفضائله

في هذا الباب من الصفحة 331 من مقدمته، يشير إلى ضرورة مراعاة القدرة العقلية للمتعلم، واستعداده للتعلم والاستيعاب من عدمه، فيقول :" أعلم أن تلقين العلوم للمتعلمين إنما يكون مفيداً إذا كان على التدريج شيئاً فشيئاً وقليلاً قليلاً يلقى عليه أولاً مسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب ويقرّب له في شرحها على سبيل الإجمال ويراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه حتّى ينتهي إلى آخر الفن وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم إلا أنّها جزئية وضعيفة وغايتها أنّها هيّأتها لفهم الفن وتحصيل مسائله ثم يرجع به إلى الفن ثانية فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها ويستوفى الشرح والبيان ويخرج عن الإجمال ويذكر له ما هنالك من الخلاف ووجهه إلى أن ينتهي إلى آخر الفن فتجود ملكته ثم يرجع به وقد شدّ فلا يترك عويصاً ولا مهماً ولا مغلقاً إلاّ وضحه وفتح له مقفلة فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته ".

كما يؤكد  على وجوب إدراك مراحل نمو المتعلم ، لان لكل مرحلة عمرية قدرة معينة على الاستيعاب ،وكما يشير إلى هذه الخصلة يجب أن تتوفر ليس في المعلم فرط، بل حتى الذي يضع المناهج المدرسية،بحيث يتم التدرّج في تلقين العلوم من الأسهل إلى الأصعب.


يوضح ذلك أكثر حيث يقول :"هذا وجه التعليم المفيد وهو كما رأيت إنما يحصل في ثلاث تكرارات وقد يحصل للبعض في أقل من ذلك بحسب ما ـ يخلق له ويتيسر عليه وقد شاهدنا كثيراً من المتعلمين لهذا لهذا العهد الذي أدركنا يجهلون طرق التعليم وإفادته ويحضرون للمتعلم في أوّل تعليمه المسائل المقفلة من العلم ويطالبونه بإحضار ذهنه في حلّها ويحسبون ذلك مراناً على التعليم وصواباً فيه ويكلفونه رعى ذلك وتحصيله ويخلطون عليه بما يلقون له من غايات الفنون في مبادئها وقبل أن يستعد لفهمها".

كما أنه من غير الصواب أن يحمل المتعلم التلميذ أكثر من طاقته :"لا ينبغي للمعلّم أن يزيد معلميه على فهم كتابه الذي أكب على التعليم منه بحسب طاقته وعلى نسبة قبوله للتعليم مبتدئاً كان أو منتهياً ولا يخلط مسائل الكتاب بغيرها حتى يعيه من أوّله إلى آخره ويحصّل أغراضه ويستولى منه على ملكة بها ينفذ في غيره لأنّ المتعلم إذا حصّل ملكة ما في علم من العلوم أستعد بها لقبول ما بقى ".

كما يدعو استكمال الموضوع قيد التدريس في الفصل الواحد، وعدم تقسيمه لعدة أجزاء، لأن ذلك قد يسبب للمتعلم في النسيان. ويقول: "وكذلك ينبغي لك أن لا تطوّل على المتعلّم في الفن الواحد بتعريف المجالس وتقطيع ما بينها لأنه ذريعة إلى النسيان وانقطاع مسائل الفن بعضها من بعض ".

وقد دعا كذلك إلى التخصص في العلم، وعدم خط علمين أو عدة علوم في آن واحد، لأن ذلك يشتت ذهن المتعلم، وبالتالي لن يستوعب ولا واحد من تلك العلوم،يقول أبن خلدون " أن لا يخلط على المتعلّم علمان معاً فإنه حينئذ قلّ أن يظفر بواحد منهما لما فيه من تقسيم البال و انصرافه عن كل واحد منهما إلى تفهّم الآخر فستغلقان معا ".

كما أنه ألح إلى  أن الشدة في التلقين  فيه مضرة بالمتعلم، لأنه يؤدي للنفور من العلم و المعلم نفسه وخاصة الطفل الصغير، ففي الصفة 335 من المقدمة، هناك باب " في أنّ الشّدة على المتعلمين مضّرة بهم "، يقول فيه : " إنّ رهاف الحد بالتعليم مضّر بالمتعلم سيمّا في أصاغر الولد ".

وفي طلب العلم، دعا إلى التفنن في الإحاطة بمدائه وقواعده ومسائله،وٱاستنباط أصوله وفروعه.و هذا ما يسميه أبن خلدون بالملكة.التي  يتميز بها العالم الباحث والفنان المبدع.و هذه الملكة تكون جسدية أو دماغية.و هي تحتاج للصقل بالتعلم و الصناعة، فيقول :" الحذق في العلم والتفنن فيه والإستلاء عليه، إنما هو بحصول ملكة الإحاطة بمبادئه، وقواعده والوقوف على مسائله ،واستنباط فروعه من أصوله،وما لا يحصل هذه الملكة لم  يكن الحذق في هذا الفن المتناول حاصلا .

وهذه الملكة هي في غير الفهم و الوعي،لأن نجد فهم المسألة الواحدة من الفن الواحد ووعيها، مشتركا بين من شدا في ذلك الفن، وبين من هو مبتدئ فيه، وبين العالي الذي لم يعرف علما، وبين العالم و بين العالم الحرير،،والملكة إنما هي للعالم أو الشادي في الفنون دون من سواهما فدل على أن هذه الملكة غير الفهم و الوعي".


كما أن اكتساب العلم والصنائع يزيد من حضارة  وذكاء وكمال العقل والفطرة؛ "لما امتلأ الحفري من الصنائع وملكاتها وحسن تعلمهما، ظن كل من قصر عن تلك الملكة أنها الكمال في عقله، وأن نفوس أهل البدو مقاصر بفطرتها وجليتها في فطرته ، وليس كذلك فإنا نجد أهل البدو من هو أعلى رتبة من الفهم ولكمال في عقله وفطرته، وإنما الذي ظهر على أهل الحفر من ذلك رونق المصانع والتعليم، فإن لهما آثارا ترجع إلى النفس كما قدمنا.وكذلك أهل المشرق لما كانوا في التعليم والصنائع أرسخ رتبة وأعلى قدما وكان أهل المغرب أقرب إلى البداوة، لما قدمناه في الفصل قبل هذا، ضن المغفلون في بادئ الرأي لكمال في حقيقة الإنسانية، اختصوا به  عن أهل المغرب، وليس ذلك بصحيح فتَفَهَّمْه. والله يزيد في الخلق ما شاء وهو إله السماوات والأرض".

فقد قارن ابن خلدون بين البوادي والحواضر في حجم العلم والمعرفة، حيث يكثر العلم في المدن  والأمر راجع لكثرة العمران  فيها، فيقول :" من تشوف بفطرته إلى العلم ، ممن نشأ في القرى والأمصار غير المتمدنة، فلا يجد  التعلم الذي هو صناعي لفقدان الصنائع في أهل البدو كما قدمناه، ولابد له من الحلة في طلبه إلى الأمصار المستبحرة، شأن الصنائع في أهل البدو.واعتبر ما قررناه بحال بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة، لما كثر عمرانها صدر الإسلام، واستوت فيها الحضارة ، كيف زخرت فيها بحار العلم، وتفننوا في اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم ، واستنباط المسائل والفنون، حتى اربَوا على المتقدمين، وفاتوا المتأخرين. ولما تناقص عمرانها وابذعر سكانها، انطوى ذلك البساط بما عليه جمعة، وفق العلم بها والتعليم، وٱنتقل إلى غيرها من أمصار الإسلام.

تابع القراءة من هنا

هل اعجبك الموضوع :

تعليقات