القائمة الرئيسية

الصفحات

سلسلة سباحة في عقل ابن خلدون- الجزء الرابع: اللسان: بين كتابة الخط وتنظيم الشعر

 


وعن اللسان لاحظ إبن خلدون أنه إذا ما سبقت العجمة إليه، قصرت بصاحبها في تحصيل العلم عن أهل اللسان العربي، والسر في ذلك: " أن مباحث العلوم كلها إنما هي في العاني الذهنية والخيالية، من بين العلوم الشرعية، التي أكثر مباحثها عي الألفاظ وموادها من الأحكام المتقاة من الكتاب والسنة ولغاتها المؤدية لها، وهي كلها في الخيال، وبين العلوم العقلية، وهي في الذهن.

واللغات إنما هي ترجمان عما في الضمائر من تلك المعاني التي يؤديها بعض إلى بعض بالمشافهة في المناظرة والتعليم، وممارسة البحث بالعلوم لتحصيل ملكتها بطول المران على ذلك".

وفي ما يتعلق بالخط العربي، فيرى إنه ملكة كملكة اللغة أو صناعة أخرى، فيقول ابن خلدون بهذا الصدد:" اللغة  ملكة في اللسان، وكذا الخط صناعة مملكتها في اليد، فإذا تقدمت في  اللسان ملكة العجمة، صار مقتصرا في اللغة العربية، لما قدمناه من أن الملكة إذا تقدمت في صناعة بمحل فقل أن يجيد صاحبها ملكة في صناعة أخرى، وهو ظاهر. وإن كان مقتصِّرا في اللغة العربية، ودلالتها اللفظية والخطية واعتاص عليه فهم المعاني منها كما مر إلا أن تكون ملكة العجمة السابقة لم تستحكم عجمتهم، فتكون اللغة العربية كأنها السابقة لهم، ولا يكون عندهم تقصير في فهم المعاني من العربية، وكذا ــ أيضاــ شأن من سبق له تعلم الخط الأعجمي قبل العربي".

وملكة اللغة  تحصل  بالإبتكار، فيقول:" الملكات لا تحصل إلا بابتكار الأفعال"، فيشرح ذلك بأن:" الفعل يقع أولا وتعدد منه للذات صفة، ثم تتكرر فتكون حالا. ومعنى الحال أنها صفة غير راسخة، ثم يزيد التكرار فتكون ملكة أي صفة راسخة، فالمتكلم من العرب حين كانت ملكته اللغة العربية موجودة فيهم، يسمع كلام أهل جيله وأساليبهم في مخاطبتهم وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها، فيلقنها أولا يسمع التراكيب بعدها فليقنها كذلك، ثم لا يزال سماعهم لذلك يتجدد في كل لحظة ومن كل متكلم واستعماله يتكرر إلى أن يصير  ملكة وصفة راسخة ويكون كأحدهم. هكذا تصيرت الألسن واللغات من جيل إلى جيل وتعلمها العجم والأطفال".


وفي علوم اللسان، يذكر إبن خلدون، أن لها أربعة أركان وهي:" اللغة، والنحو، والبيان، والأدب، ومعرفتها ضرورية على أهل الشريعة، إذ مأخذ ا الأحكام الشرعية، كلها من الكتاب و السنة، وهي بلغة العرب ونقلتُها من الصحابة والتابعين عرب، وشرح مشكلاتها من لغتهم، فلا بد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة.

وتتفاوت في التأكيد بتفاوت مراتبها في التوفية بمقصود الكلام، حسبما يتبين في الكلام عليها فنا فنا.

والتي يتحصل أن الأهم المقدم منها هو النحو، وإذ به يتبين أصول المقاصد بالدلالة فيعرف الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر ولولاه لجُهِل أصل الإفادة ".

أما عن أسباب الاهتمام و العناية بالنحو، فالسبب من وراء ذلك، حفظ القرآن والحديث النبوي،" القرآن منزل به والحديث النبوي مقول بلغته وهما أصلا الدين والملة فخشي تناسيهما وانفلاق الإفهام عنهما بفقدان اللسان الذي تنزلا به. فاحتيج إلى تدوين أحكامه ووضع مقاييسه واستنباط قوانينه. وصار علما ذا فصول وأبواب ومقدمات ومسائل. سماه أهله بعلم النحو وصناعة العربية فأصبح فنا محفوظا وعلما مكتوبا وسلما إلى فهم كتاب الله و سنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ــ وافيا" يقول ابن خلدون.

ويضيف :" اللغات لما كانت ملكات كما مرّ، كان تعلمها ممكنا شأن سائر الملكات ووجه التعليم لمن يبتغي هذه الملكة ويروم تحصيلها أن يأخذ نفسه يحفظ كلامهم القديم الجاري على أساليبهم من القرآن والحديث، وكلا السلف ومخاطبة فحول العرب في أسجاعهم وأشعارهم وكلمات المولَّدين ــ أيضاــ في سائر فنونهم حتى يتنزل لكثرة حفظه لكلامهم من المنظوم والمنثور منزلة من نشأ بينهم ولقن العبارة عن المقاصد منهم، ثم يتصرف بعد ذلك في التعبير عما في ضميره على حسب عباراتهم وتأليف كلماتهم، وما وعاه وما حفظه من أساليبهم وترتيب ألفاظهم فتحقق له هذه الملكة بعد الحفظ والاستعمال ويزداد بكثرتهما رسوخا وقوة".

والنحو حسب ابن خلدون، مثله مثل سائر المهن والصناعات، فثمرته تُكتسب بالتطبيق، حتى يصبح ملكة ملازمة للمتعلم:" تجد كثيرا من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية المحيطين علما بتلك القوانين إذا سئل في كتابة سطرين إلى أخيه أو ذي مؤدية أو شكوى ظُلامة أو قصد من قصدوه أخطأ منها الصواب وأخثر م اللحن، ولم يُجْد تأليف الكلام لذلك، والعبارة عن المقصود فيه على أساليب اللسان العربي، وكذا نجد كثيرا ممن يحسن هذه الملكة ويجيد الفنين المنظوم، والمنثور وهو لا يحسن إعراب  الفاعل عن المفعول ولا المرفوع من المجرور ولا شيئا من قوانين صناعة العربية. فمن هنا يُعلم أن تلك الملكة هي غير صناعة العربية وأنها مستغنية عنها بالجملة".


كما يرى أن الإنسان إذا تعلم مسألة في النحو يجب عليه أن يحنك بها لسانه:" أصبحت صناعة العربية كأنها من جملة المنطق العقلية أو الجدل وبعدت عن مناحي اللسان وملكيته و أفاد ذلك  حملتها في هذه الأمصار وآفاقها البعد عن الملكة بالكلية، وكأنهم لا ينظرون في كلام العرب وما ذلك لقِد ولهِم عن البحث في شواهد اللسان وتراكيبه وتمييز أساليبه وغفلتهم عن المران في ذلك للمتعلم، فهو أحسن ما تفيده الملكة في اللسان وتلك القوانين إنما هي وسائل للتعليم؟ لكنهم أجروها على غير ما قصد بها وٱصاروها علما بحتا  بعدوا عن ثمرتها. وتعلم ما قررناه فعي هذا الباب، أن حصول ملكة اللسان العربي إنما هو بكثرة الحفظ من كلام العرب، حتى يرتسم في حياله المنوال الذي نسجوا عليه تراكيبهم فينسج هو عليه.ويتنزل بذلك منزلة من نشأ معهم وخالط عباراتهم في كلامهم، حتى فصُلت له الملكة المستقرة في العبارة عن المقاصد على نحو كلامهم" يقول ابن خلدون.

وفي أسلوب الرسائل الرسمية والسلطانية، يشير ابن خلدون إلى أن : " المحمود في المخاطبة السلطانية الرسُّل، وهو إطلاق الكلام و إرساله من غير تشجيع إلا في الأقل النادر، وحيث ترسله الملكة، إرسالا من غير تكلف له، ثم إعطاء الكلام حقه في مطابقته لمقتضى الحال، فإن المقامات مختلفة ولكل مقام أسلوب يخصه".

فإلى جانب اللسان وقواعد النحو، تطرق ابن خلدون لمسألة الشعر، هذا الأخير الذي يمنح أهمية كبيرة عد العرب، فيقول بشأنه:" اعلم أن فن الشعر من  بين الكلام كان شريفا عند العرب؛ ولذلك جعلوه ديوان علومهم وأحبارهم وشاهد صوابهم وخطئهم، وأصلا يرجعون إليه في الكثير من علومهم وحكمهم، وكانت ملكته مستحكمة فيهم شأن ملكاتهم كلها. والملكات اللسانية كلها إنما تكتسب بالصناعة والإرتياض في كلامهم حتى يحصل شبَهً في تلك الملكة"...يتبع


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات